طه عبد الرحمن

60

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

حيث هي حضارة قول حضارة ظالمة ؛ فلنشتغل في الفصل الحالي ببيان مظاهر النقص التي تشوب هذه الحضارة ، على أن نخصّص الفصل الذي يليه لبيان مظاهر الظلم فيها . اعلم أن موضوع " العقلانية " قد كثر الخوض فيه ، حتى تواردت عليه ضروب من الشبهة والإشكال ، وتطرقت إليه صنوف من الخلل والفساد ، هذه الضروب والصنوف التي نحتاج إلى استجلاء أوصافها وبيان أسبابها وتحديد آثارها ، حتى نحترز من الوقوع فيها ونهتدي إلى طريق في " العقلانية " يكون موافقا للأخلاق الإسلامية . ننطلق في هذا الغرض النقدي للعقلانية من واقع الاشتغال بها من لدن المفكرين والمنظّرين من المسلمين والعرب ، فنقول بأن من يتأمل هذا الواقع يتبين فيه الحقائق الثلاث الآتية : أ . أن كل من تولى النظر في وسائل النهوض بواقع العالم الإسلامي والعربي لم يتردد في أن يجعل العقلانية على رأس هذه الوسائل ، مشيدا بفضائل وفوائد المناهج العقلية في تحصيل المطلوب من التقدم والتحضر . ب . أن التعلق بالعقلانية تساوى فيه من يتمسك بأخلاق الدين الإسلامي ومن يميل عن هذا الدين مبتغيا العمل بأخلاق أخرى وكذا من ينزل منزلة بين هذين الطرفين ، منتقيا بعض الأخلاق من الدين الإسلامي والبعض الآخر من مذاهب غير إسلامية أو غير دينية ، بحجة مسايرة التطور والاستجابة لمقتضى التغيير . ج . أن هذه الدعوة إلى العقلانية التي تشترك فيها الفئات الإسلامية والعربية على تباين اختياراتها العقدية تزايدت في الشدة والانتشار على مدى فترة استغرقت قرنا ونصفا من الزمن وامتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين . كان من المفروض أن يؤدي اختلاف دعاة العقلانية في اتجاهاتهم العقدية مع اتفاقهم في ممارسة الدعوة إليها على أوسع نطاق إلى أن ينتبه المفكرون أو المنظرون المسلمون والعرب إلى ضرورة تجديد النظر في مسألة العقلانية ، وذلك بأن يتعاطوا لتمحيص مبادئها ومناهجها وقيمها ، حتى يتبين لهم مدى وحدود وفائها بالأهداف الإصلاحية والتغييرية التي علّقت عليها واستعملت لأجلها ؛ لكن ظل هؤلاء المنظرون والمفكرون في غفلة تامة عن ضرورة هذا التمحيص ، وأبوا إلا التمادي في التعلق بالعقلانية والاحتجاج بها والاحتكام إليها ، نظرا لراسخ إيمانهم